في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري
الميزان يحمل الاحتلال الإسرائيلي المسئولية عن حياة المختفين قسرياً ويطالب المجتمع الدولي بالوقوف عند مسئولياته
يأتي الثلاثون من أب/ أغسطس هذا العام، وهو اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، بينما تُواصل دولة الاحتلال ارتكاب أشد أنواع الجرائم والانتهاكات إيلاماً وقسوة بحق المدنيين الفلسطينيين، في خضم حرب الإبادة الجماعية التي تزداد ضراوة ووحشية يوماً بعد يوم على مدى ثلاث وعشرين شهراً، وشكلت جرائم الإخفاء القسري للفلسطينيين واحدة من أقسى تلك الجرائم.
وبينما تستمر قوات الاحتلال في حصد أرواح الفلسطينيين الأبرياء في قطاع غزة، وتمارس التهجير القسري والتطهير العرقي عبر أوامر الإخلاء، شكلت جريمة الإخفاء القسري واحدة من أدوات الإبادة التي تمارسها تجاه السكان في قطاع غزة، وجعلت مصير آلاف السكان مجهولاً، حين قتلت قوات الاحتلال مئات المدنيين في أماكن سيطرتها ولم تكترث بنقل الجثث، أو توثيق بيانات أصحابها، أو تصويرهم، أو اتخاذ أي من التدابير التي تقرها اتفاقية جنيف.
وارتكبت قوات الاحتلال جريمة الاختفاء القسري على نطاق واسع، حيث نفذت منذ أكتوبر 2023، حملات اعتقال تعسفية ومهينة واسعة، طالت آلاف الفلسطينيين سواء من منازلهم أو مراكز الإيواء أو المستشفيات أو الحواجز التي أقامتها، حيث ترفض الاعتراف بمصير المئات منهم، أو تقديم معلومات عن مكان احتجازهم وظروفهم، إذ تلقى مركز الميزان لحقوق الإنسان مئات الشكاوى من سكان القطاع، حول اختفاء أبنائهم، وعندما بحث محامو المركز عن مصيرهم لدى سطات الاحتلال الإسرائيلي، تلقوا إجابات بعدم وجودهم في السجون الإسرائيلية، مما يُثير مخاوف جدية على حياتهم ومصيرهم، لا سيما احتمال تعرضهم للتعذيب أو قتلهم تحت التعذيب.
وللوقوف أمام معاناة ذوي ضحايا الاختفاء القسري، يعرض المركز مقتطفات من إفادة والدة المواطن أ، أ (21 عاماً)، التي أدلت بها لطاقم المركز، والتي جاء فيها الآتي: عند حوالي الساعة 4:00 من مساء يوم السبت الموافق 21/6/2025م، خرج إبني كعادته من البيت، وبعد حوالي ساعة ونصف علمت من أصدقائه بأنه ذهب لمنطقة توزيع المساعدات في شارع الطينة بمنطقة موراج شمال محافظة رفح، فأسرعت بالاتصال عليه وطلبت منه العودة للمنزل، غير أنه لم يعد حتى هذه اللحظة، ومنذ ذلك الوقت ونحن نبحث عنه في المستشفيات وثلاجات الموتى ولم نعثر له على أثر، حاولنا الوصول لأشخاص كانوا هناك عند فقدان ابني ولكن لا أحد يعرف، تواصلت مع عدة مؤسسات منها الصليب الأحمر ولكن دون جدوى، نحن في حالة يرثى لها ولا نعرف طعم النوم أو الراحة وننتظر أي معلومة تطمئننا على إبني، وأطالب كافة المؤسسات والجهات المختصة بالتدخل للكشف عن مصير إبني لكي يرتاح قلبي…”
وفي السياق ذاته، أفادت شقيقة المواطن ر، ع (42 عاماً): “توجه شقيقي برفقة عدد من أصدقائه وأبنا جيراننا، فجر يوم الثلاثاء الموافق 17/6/2025، من منطقة دير البلح التي نزحنا إليها في وقت سابق، نحو منطقة العلم برفح، بعدما سمعوا عن فتح مؤسسة غزة الإنسانية أبوابها لتوزيع المساعدات هناك، وأخبرنا أصدقائه أنه وعندما وصلوا وبعد تقدمهم نحو بوابات نقطة التوزيع وانتظارهم لساعات، حضرت طائرة مسيرة، وطالبتهم بإخلاء المكان، وعندما قرروا المغادرة، حاصرتهم الدبابات الإسرائيلية وسط إطلاق نار كثيف وعشوائي، وعندما وصلوا لمنطقة فش فرش شمال غرب منطقة العلم، لم يكن شقيقي معهم وبدأوا بالبحث عنه ولكن لم يعثروا عليه، وعند سؤالهم بعض الشباب الذين تواجدوا في المكان، أفادوا أن قوات الاحتلال قتلت بعض الشباب واعتقلت آخرين، وحتى الآن ما يزل مصير شقيقي مجهولاً، وينتابنا قلق كبير على حياته، حيث لا نعلم إن كان على قيد الحياة أم لا…
إن جريمة الإخفاء القسري تتسم بطابع الاستمرار وتجريد ضحاياها من صفتهم الإنسانية، وفي الوقت نفسه تُفاقم من معاناتهم النفسية والصحية والاجتماعية، بعد إقصائهم عن دائرة الحماية القانونية، وتتسبب بمعاناة منقطعة النظير لعائلات الضحايا، التي تجهل مصير أبنائها إن كانوا على قيد الحياة أم لا، وتتضاعف المعاناة عندما يكون الشخص الذي جرى إخفاؤه قسراً هو المعيل الوحيد لعائلته، والذي من شأنه أن ينتهك طائفة واسعة من الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، للضحايا وعوائلهم.
وترفض دولة الاحتلال حتى وقت صدور هذا البيان تمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة المعتقلين في السجون الإسرائيلية، وتضع قيوداً على زيارة المنظمات الحقوقية للمعتقلين أو الكشف عن مصيرهم، من خلال إنكارها اعتقالهم أو تحديد مكان احتجازهم أو عدم الرد على طلبات الكشف عن مصيرهم، ما يشكل انتهاكاً لميثاق روما المُنشئ للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 1998، والذي اعتبرها وفقاً للمادة (7) جريمة ضد الإنسانية، إضافة لكونها تنتهك إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1992، وتُشكل مخالفة صريحة للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري التي اعتمدتها في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2010.
مركز الميزان لحقوق الإنسان إذ يستنكر جرائم قوات الاحتلال الإسرائيلي لا سيما جريمة الإخفاء القسري، فإنه يعرب في الوقت ذاته عن تضامنه الكامل مع الضحايا وعائلاتهم في محنتهم الإنسانية الرهيبة المستمرة على مدار حرب الإبادة الجماعية، ويدعو إلى إطلاق أكبر حملة لتسليط الضوء على ملف الأشخاص المفقودين وتدويله، بما يضمن الكشف عن مصيرهم، وتمتعهم بالحماية التي أقرها القانون الدولي.
وعليه، يطالب المركز المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتدخل بشكل فاعل لوقف حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، ومعالجة ملف المفقودين، وضمان عدم إفلات مرتكبي جريمة الإخفاء القسري من العقاب، وإنصاف الضحايا وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم، وإلزام دولة الاحتلال بتطبيق أحكام القانون الدولي، وكافة القواعد التي أقرتها الاتفاقيات الدولية.
انتهى