في ذكرى النكبة الفلسطينية … النكبة مستمرة وإسرائيل تعيد هندسة الديموغرافيا بالإبادة الجماعية

0 3

 

في ذكرى النكبة الفلسطينية
النكبة مستمرة وإسرائيل تعيد هندسة الديموغرافيا بالإبادة الجماعية

يحيي الشعب الفلسطيني في الخامس عشر من أيار/مايو 2026، الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، في وقت تتواصل فيه سياسات الاقتلاع والتهجير القسري والاستعمار الاستيطاني والقتل الجماعي بحق الفلسطينيين بصورة غير مسبوقة منذ عام 1948. فبينما شكلت النكبة الأولى جريمة تهجير جماعي، إلا أن الفلسطينيين اليوم يواجهون نكبة متجددة تتجلى في حرب الإبادة الجماعية، والتدمير الشامل الذي يستهدف الوجود الفلسطيني كله في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا سيما في قطاع. حيث يؤكد الواقع الراهن على أن النكبة لم تكن حدثاً تاريخياً انتهى عام 1948، بل سياسة استعمارية مستمرة تقوم على الإحلال السكاني، والسيطرة على الأرض، ومحو الهوية الوطنية الفلسطينية، عبر منظومة متكاملة من الجرائم.
فمنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، يتعرض سكان قطاع غزة لسياسات تقوم على القتل الجماعي والتجويع والحصار والتدمير الواسع وفرض النزوح القسري، إلى جانب استهداف المنازل والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء والبنية التحتية ومنع دخول المساعدات الإنسانية، في محاولة لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي للقطاع بالقوة. وقد أسفرت هذه السياسات عن نزوح نحو مليوني فلسطيني داخل غزة، بينما بلغ عدد الفلسطينيين في العالم حتى منتصف عام 2025 نحو 15.5 مليون نسمة، يعيش أكثر من نصفهم خارج فلسطين التاريخية نتيجة استمرار سياسات التهجير والاقتلاع منذ النكبة.
أفادت الحاجة (و. ز)، أنا نازحة في مواصي خان يونس، وأعيش مع أولادي وأحفادي في مخيم للنازحين، لقد عشت النكبة الفلسطينية عندما كنت طفلة حيث هاجر أهلي من منازلنا في بيت دراس، لكن لازلت أتذكر أصوات البراميل المتفجرة وجلوسنا في الشارع لأيام وتنقلنا من مكان لمكان، أنا عشت لاجئة في السابق، والآن أنا نازحة لم يتبقى لي بيت ولا مكان أعيش فيه، نزحت عشرات المرات، وفقدت ابنتي شهيدة وأطفالها، عشت التهجير القسري مرتين في النكبة والآن في هذه الحرب.
فيما بلغ عدد الشهداء حتى 12 أيار/مايو 2026 نحو 72,742 شهيداً، وتجاوز عدد الجرحى 172,565 مصاباً، إضافة إلى آلاف المفقودين تحت الأنقاض وفي المناطق التي يمنع الاحتلال الوصول إليها. وتشير المعلومات الرسمية من وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن غالبية الضحايا هم من الأطفال والنساء، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية واستمرار استهداف المستشفيات والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، ما ضاعف من أرقام الضحايا.
وألحقت قوات الاحتلال الإسرائيلي دماراً واسعاً وشاملاً بالبنية التحتية، والمقومات الأساسية للحياة في قطاع غزة، إذ أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن حرب الإبادة الجماعية تسببت في تضرر أكثر من 198 ألف مبنى في القطاع، من بينها ما يزيد على 102 ألف مبنى دمرت بشكل كلي ، إضافة إلى تدمير أحياء سكنية كاملة ومرافق حيوية وأساسية، شملت المدارس والجامعات والمستشفيات ودور العبادة وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، الأمر الذي تسبب في كارثة إنسانية غير مسبوقة، وجعلت من قطاع غزة منطقة غير قابلة للحياة، في ظل استمرار الحصار ومنع إدخال مواد الإغاثة والإعمار.
وفي إطار فرض الوقائع على الأرض، والسعي للسيطرة على قطاع غزة وتهجير سكانه، صعد الاحتلال الإسرائيلي خلال الأشهر الأخيرة من سياسة اقتطاع الأراضي وفرض السيطرة العسكرية المباشرة، عبر إنشاء ما يعرف بـالخط الأصفر الذي يفصل مناطق السيطرة العسكرية عن المناطق المسموح للفلسطينيين بالوجود فيها، ويمتد على نحو 53% من مساحة القطاع، مع تدمير واسع للمنازل والمنشآت الواقعة خلفه. ثم توسع الاحتلال تدريجياً غرباً بفرض الخط البرتقالي، وهو خط عسكري جديد أدى إلى اقتطاع نحو 11% إضافية من مساحة القطاع، لترتفع بذلك المساحات الخاضعة فعلياً للسيطرة العسكرية أو النارية الإسرائيلية إلى نحو 65% من إجمالي مساحة القطاع، في إطار إعادة هندسة الجغرافيا وتقليص المساحات المتاحة لوجود السكان المدنيين.
أفادت (ن،ح) من سكان منطقة القرارة شرق خان يونس، عدنا إلى بيتنا بعد النزوح لمدة عامين في رفح ومواصي خان يونس ودير البلح وذلك بعد إعلان التهدئة، ونسكن بالقرب من الخط الأصفر، والمنطقة خطرة ولكن من شدة المعاناة خلال النزوح اخترنا أن نكون بجانب بيوتنا المدمرة وفي منطقنا، وطوال اليوم نسمع أصوات التجريف وهدم ما تبقى من المنازل وأصوات اطلاق النار، وأحيانا يكون هناك تحرك للجيش بالقرب من بيوتنا ما بعد الخط الأصفر، عندها نبقى في بيوتنا ليلة كاملة أو يومين دون التحرك، ومنذ عدة أيام بدأت قوات الاحتلال بوضع أحجار كبيرة من الباطون باللون البرتقالي بالقرب منا وهذا جعلنا نخاف بشكل كبير، عندها قررنا النزوح مجدداً إلى مواصي خان يونس من شدة خوفنا أن يقتربوا أكثر ونتعرض للاستهداف.
وفي الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ سياسة ممنهجة تقوم على الضم الفعلي والتوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي، عبر مصادرة الأملاك الفلسطينية، وهدم المنازل والمنشآت، وتهجير التجمعات السكانية قسراً، إلى جانب شق الطرق الالتفافية وتوسيع البؤر الاستيطانية وفرض القيود والحواجز العسكرية التي تعزل المدن والقرى الفلسطينية وتقيد حرية الحركة والتنقل. ويترافق ذلك مع تصاعد خطير في اعتداءات المستوطنين المسلحين، بما يشمل الاعتداء على المدنيين، وإحراق المنازل والمركبات والمزارع، واقتلاع الأشجار، والاستيلاء على الأراضي تحت حماية قوات الاحتلال، والاقتحامات العسكرية المتكررة وعمليات القتل والاعتقال التعسفي.
مركز الميزان لحقوق الإنسان يستنكر بأشد العبارات استمرار عجز المجتمع الدولي عن إلزام دولة الاحتلال باحترام أحكام القانون الدولي، ويحذر من استمرار الجرائم الوحشية التي تسببت بنكبة ثانية ومستمرة يدفع ثمنها الأطفال والنساء والمدنيون. وإذ يعبر المركز عن تضامنه مع الضحايا الفلسطينيين وذويهم، فإنه يذكر بأن محكمة العدل الدولية أكدت في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو/تموز 2024 على عدم قانونية الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وطالبت بإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان والضم وعدم الاعتراف بالأوضاع غير القانونية الناشئة عنه أو تقديم أي دعم يسهم في استمراره.
وعليه، يطالب المركز دول العالم كافة وكل ذي ضمير حي إلى التحرك العاجل لوقف جريمة الإبادة الجماعية وإنهاء الحصار والتجويع والتهجير القسري، وتوفير الإغاثة العاجلة للسكان المدنيين، ومحاسبة مرتكبي الجرائم الإسرائيلية، وتعويض الضحايا وإنصافهم وجبر أضرارهم، وإنهاء الاحتلال غير القانوني، ووقف الاستيطان والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وضمان حماية المدنيين، وتأمين حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
ويشدد المركز على أن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير هو حق ثابت ومكفول بموجب القانون الدولي، لا يسقط بالتقادم ولا يمكن تقويضه بسياسات الإبادة الجماعية والتغيير الديموغرافي التي تفرضها قوات الاحتلال في قطاع غزة.

***

https://www.facebook.com/share/p/1Dkb7tehhR/

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد