في مهب الريح
.. كيف تقوض الحرب واللاحرب حقوق الإنسان في الوطن العربي ؟
بقلم رئيس المنظمة (*)
يعد الحق في الحياة أقدس حقوق الإنسان، ويلازمه بصفة أساسية الحق في السلامة الجسدية والآمان، وتتعرض هذه الحقوق لهجمة شرسة متعددة الأبعاد والمصادر في منطقتنا العربية في ظل حالة الحرب واللاحرب والنهايات المفتوحة التي باتت تحكم المنطقة خصوصا والعالم عموما خلال الأشهر الستة عشر الأخيرة.
وكما هو سائد، تشكل الحروب والنزاعات المسلحة بطبيعتها تقويضا شاملا لمجمل حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
فحقوق الإنسان كقيم وممارسة لا يمكن أن تزدهر سوى في سياق مستقر يتوافر فيه الأمن بما يسمح للبشر بممارسة حياتهم بأمان، بين الذهاب للعمل والدراسة واقتضاء الحاجات المعيشية والوصول للخدمات الأساسية.
ووفق القانون الدولي، يشكل احترام مبادئ القانون الإنساني الدولي وأحكام اتفاقيات جنيف الأربعة للعام ١٩٤٩ الأداة الحاكمة لحماية حقوق الإنسان الأساسية التي لا يمكن التحلل منها في سياق الحروب والنزاعات كالحق في الحياة والسلامة الجسدية وعدالة المحاكمات والوصول للغذاء والخدمات الأساسية كالصحة والمياه والمأوى.
وتتأثر حريات التعبير والتجمع والاجتماع والمشاركة في ظل النزاعات المسلحة، وتسعى قواعد جنيف ١٩٤٩ للتخلص من النزاعات وآثارها على حياة البشر في أقرب وقت ممكن وبأقل خسائر ممكنة، بما في ذلك بين المتحاربين.
غير أن كل هذه التوجهات والالتزامات القيمية والقانونية لم تعد حاكمة، بل ولم يعد خرقها يمثل دافعا للخجل، حيث جرى العصف بقواعد أمرة وراسخة، وتمت الاطاحة بدور مجلس الأمن الدولي بصورة لا تقبل التأويل، ومعه احتقار أحكام نافذة وواجبة أصدرتها أعلى هيئة قضاء دولي ممثلة في محكمة العدل الدولية، بالإضافة إلى الإصرار ببذاءة على تعديل الفطرة البشرية في فهم جريمة الإبادة الجماعية التي لا تقبل إعادة التفسير وتبقى أم الجرائم المحظورة لأن آثارها الوخيمة تبقى غير قابلة للإصلاح.
يحبس العالم أنفاسه ترقبا لتطورات الحرب في الشرق الأوسط، وبينما تنحسر الآمال المعلقة على التوصل لتسوية بين واشنطن وطهران، تبقى ثماني عواصم عربية تحت طائلة التهديد المفتوح في الخليج والأردن، وأخيرا لبنان الذي يصطلي مع كل ساعة تمر بنيران العدوان الإسرائيلي الذي جعله ساحة مستباحة لتصفية الحسابات وتنفيس الضغوط السياسية الداخلية.
ويبقى الفلسطينيون الخاسر الأكبر دون حضور على مقاعد الطاولة، فهم باتوا مادة الطاولة نفسها بيد محتليهم، فما بين انزواء القضية التي شغلت العالم وأدت لانقلابات حادة في رؤية الرأي العام العالمي ومعه الرأي العام الغربي، وما بين بقاء التهديد باستئناف الإبادة من ناحية وهدفها الرئيسي المتمثل في التهجير القسري لسكان غزة خارج فلسطين، وبين استكمال الاحتلال الاستعدادات لممارسة الإبادة في الضفة وصولا إلى إبعاد الفلسطينيين منها قسرا أو طوعا.
ويترافق التمدد في لبنان – لما وراء نهر الليطاني اليوم مع توسعات موازية داخل الأراضي السورية على نحو يضع ضواحي العاصمة دمشق الجنوبية والغربية ضمن دوائر الاستيطان المحتملة.
ولا يتوقف الاحتلال الإسرائيلي عن الإضرار العمدي بالسلم في جواره المباشر، بل ويتحرك باتجاه تطويق المنطقة ودولها الكبرى من القرن الأفريقي وبحر العرب جنوبا إلى آسيا الوسطى شمالا إلى جنوب آسيا شرقا، غير عابئ بالمخاطر، طالما بقيت تحركاته محمية تحت مظلة واشنطن وقواعدها المنتشرة في كل الجغرافيا السياسية برا وبحرا.
في السنوات السالفة، وحتى في الشهور القليلة الماضية، كان بوسع كل الدوائر العربية المعنية وفي القلب منها دوائر حقوق الإنسان أن تدق ناقوس الخطر على مسامع العواصم العربية، والآن باتت العواصم العربية في عين العاصفة وتداهمها محدودية التصرف كما وكيفا – وزمنا وميدانا.
خلال الشهور العشرة الماضية، توصلت نصف عواصم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وواكبها بعض عواصم أمريكا اللاتينية وبعض عواصم الدول الأفريقية جنوب الصحراء إلى أهمية العودة لاستثمار قواعد القانون الدولي ومنح منظومة القيم الداعمة لحقوق الإنسان ما تستحقه من قوة أخلاقية بالأدوات السياسية والاقتصادية.
وفي ظل المخاض الدولي نحو نظام عالمي جديد، يمكن للعواصم العربية السعي بسرعة نحو اغتنام الفرصة للتكتل مع هذه التحولات نحو إنشاء تكتل عالمي أكثر قدرة وصلابة وقابلية للنمو بما يدعم فرصها في البقاء وفي احترام حقوقها ومواردها ومصالحها في عالم جديد يتشكل.
***
(*) بقلم علاء شلبي
رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان